صديق الحسيني القنوجي البخاري

552

فتح البيان في مقاصد القرآن

أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي إن الشأن هو هذا والمعنى عاقبناهم بسبب كفرهم فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين . وَنَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِهِمْ مستأنفة ولا يصح عطفه على أصبناهم لأنهم ممن طبع اللّه على قلبه لعدم قبولهم للإيمان فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي أخبار الأمم المهلكة فضلا عن التدبر والتفكر فيها والاعتبار بها والاغتنام بما في تضاعيفها من الهداية أي صاروا بسبب الطبع على قلوبهم لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله اللّه إليهم من المواعظ والأعذار والإنذار سماع تدبر . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 101 إلى 102 ] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) تِلْكَ مبتدأ مشار بها إلى ما بعدها و الْقُرى خبرها أي التي أهلكناها وهي قرى قوم نوح وهود وثمود وصالح ولوط وشعيب المقدم ذكرها نَقُصُّ حال أي قاصين وهذا كقوله تعالى هذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] في كونه مبتدأ خبرا وحالا قاله الزمخشري عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي أخبارها وهذه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وللمؤمنين وتحذير للكافرين من قريش وغيرهم . ومن للتبعيض لأنه إنما قص عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما فيه عظة وانزجار دون غيرهما ولها أنباء غيرها لم يقصها عليه ، وإنما قص عليه أنباء أهل هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم ، فتوهموا أنهم على الحق فذكرها اللّه لقوم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال . وَلَقَدْ لام قسم جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الباهرات كما سبق بيانه في قصص الأنبياء المذكورين قبل هذا فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل اللام زائدة لتوكيد النفي بِما كَذَّبُوا به مِنْ قَبْلُ أي قبل مجيئهم أو فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل في حال من الأحوال ولا في وقت من الأوقات بما كذبوا به قبل مجيئهم بل هم مستمرون على الكفر متشبثون بأذيال الطغيان دائما ولم ينجح فيهم مجيء الرسل ولا ظهر له أثر بل حالهم عند مجيئهم كحالهم قبله . وقيل المعنى فما كانوا ليؤمنوا بعد هلاكهم بما كذبوا به لو أحييناهم كقوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا [ الأنعام : 28 ] قاله مجاهد وقيل سألوا المعجزات فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤيتها ، والأول أولى . ومعنى تكذيبهم قبل مجيء الرسل أنهم كانوا في الجاهلية يكذبون بكل ما سمعوا به من إرسال الرسل وإنزال الكتب .